أبي منصور الماتريدي

55

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : يا لَيْتَنا نُرَدُّ . قيل « 1 » : إلى الدنيا . وقيل : إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة ، لكن هذا تكلف تحقيق مراد قوم ظهر سفههم ، ولعله ليس عندهم هذا التمييز ، أو يقولون سفها كما قالوا كذبا بقوله : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . وقوله - عزّ وجل - بِآياتِ رَبِّنا . قال الحسن : بدين ربنا . وقال قوم : بحجج ربنا « 2 » ، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في الأوّل لا على الجهل ، وإن كان ثم آيات عاندوها ، وهم قوم قد سبق من الله الخبر عنهم مما فيه العناد منهم ؛ كقوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ، وذلك يدل على تعنتهم في القول ؛ ليتخلصوا عما بلوا بجميع ما يحتمل وسعهم ، لا أن ذلك كذلك في قلوبهم ؛ لذلك - والله أعلم - قال الله - تعالى - وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . ثم دل قوله : وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنهم قد عرفوا أن الإيمان هو التصديق لوجهين : أحدهما : أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب ؛ ليعلم أنه التصديق . والثاني : أنهم ذكروا الآيات ، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل . وبعد ، فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق ؛ إذ مشكلة الغير لو توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر ، فهو لما سبق من التكذيب على أنه أجمع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات ، فثبت أنهم أرادوا به التصديق ، وفيه [ أنه ] « 3 » اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [ قيل فيه بوجوه فقال بعضهم : إنه ] « 4 » يخرج على أوجه : أحدها : على أن الآية في أهل النفاق أظهرت ما قد أضمروا من الكفر . والثاني : أن تكون الآية في رؤساء الكفرة العلماء بالبعث ، وبأن الرسل تكون من

--> ( 1 ) ذكره ابن جرير ( 5 / 174 ) ، والرازي في تفسيره ( 12 / 158 ) ، وابن عادل في اللباب ( 8 / 90 ) . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 5 / 174 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في أ .